محمد ثناء الله المظهري

48

التفسير المظهرى

إبراهيم لا يجيعهم ولا يعريهم ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف قلت وهذا القول راجع إلى القول الأول بل هو أخص منه فإنه مجاوزة الحد المشروع في الانفاق المباح حتى دخل في حد التبذير وذلك حرام معصية حيث قال اللّه تعالى انّ المبذّرين كانوا اخوان الشّياطين وكان الشّيطان لربّه كفورا وانفاق من وجب نفقته عليه بحيث لا يجيعهم ولا يعريهم فريضة والإمساك عنه إمساك عن فريضة اللّه وَكانَ اى الانفاق بَيْنَ ذلِكَ اى بين الإسراف والاقتار قَواماً قصدا وسطا حسنة « 1 » بين السيئتين سمى الوسط قواما لاستقامة الطرفين كما سمى سواء لاستوائهما وهو خبر ثان أو حال مؤكدة وجاز ان يكون خبرا لكان وبين ذلك ظرفا لغوا وقيل إنه اسم كان مبنى لاضافته إلى غير متمكن وهو ضعيف لأنه بمعنى القوام فيكون كالاخبار بالشيء عن نفسه اخرج الشيخان في الصحيحين عن ابن مسعود قال سالت رسول الله صلى الله عليه وسلم اىّ الذنب أعظم قال إن تجعل لله ندّا وهو خلقك قلت ثمّ اىّ قال إن تقتل ولدك مخافة ان يطعم معك قلت ثم اىّ قال إن تزني حليلة جارك فانزل اللّه تصديقها . وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ متعلق بمحذوف اى لا يقتلون قتلا الا قتلا بالحق أو متعلق بلا يقتلون اى لا يقتلون بسبب الا بالحق يعنى بقود أو رجم أو نحو ذلك وَلا يَزْنُونَ نفى عنهم أمهات المعاصي بعد ما أثبت لهم أصول الطاعات إظهارا لكمال ايمانهم واشعارا بان الاجر موعود للجامع بين ذلك وتعريضا للكفرة من الاتصاف بأضدادها كأنه قال والذين طهّرهم اللّه عما أنتم عليه من الشرور والسيئات ولذلك عقبه بالوعيد تهديدا لهم فقال وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اى أشياء من هذه الأمور يَلْقَ أَثاماً يعنى جزاء اثم كذا قال ابن عباس وقال أبو عبيده الأثام العقوبة وقال مجاهد الأثام واد في جهنم قال البغوي يروى ذلك عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ويروى في الحديث الغىّ والأثام بئران يسيل فيهما صديد أهل النار قلت اخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر في هذه الآية قال واد في جهنم واخرج هناد عن سفيان مثله واخرج ابن جرير والطبراني والبيهقي « 2 » قال قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت سبعين خريفا

--> ( 1 ) قال ابن زيد بن حبيب أولئك ( يعنى مصداق هذه الآية ) أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم كانوا لا يأكلون الطعام للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوبا للجمال ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسدّ الجوع ويقويهم على عبادة ربهم ومن الثياب ما يستر عوراتهم وما يكفهم من الحر والبرد . وقال عمر رض بن خطاب رضى اللّه عنه كفى سرفا ان لا يشتهى الرجل شيئا الا اشتراه فاكله 12 رحمه اللّه . ( 2 ) هكذا بياض في الأصل .